الشيخ حسن المصطفوي

21

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

وأمّا قولهم - متنت الرجل أي ضربت متنه : من الاشتقاق الانتزاعىّ ، أو من التجوّز . * ( وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) * - 68 / 45 الكيد هو التدبير والعمل بقصد الإضرار ، وهذا العمل في قبال المخالفين المكذّبين ، وفي قبال مكرهم وكيدهم ، ولازم أن يتوجّهوا بأنّ كيده فيه إحكام وثبوت ، ولا تزلزل ولا تهاون ولا ضعف فيه بوجه ، وهو قاطع نافذ . * ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ ا للهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) * - 51 / 58 فالنظر الغائي في خلقهما حصول حالة العبوديّة والوصول إلى مقام حقيقة الفناء والذلَّة وشهودها في أنفسهما في قبال العظمة المطلقة . وليس هذه العبوديّة كالعبوديّة العرفيّة المعمولة للعبيد في قبال مواليهم ، حتّى يطيعوهم ويقضوا حوائجهم وقاموا بخدماتهم ، فانّ الرزق هو إنعام على طبق الاقتضاء والحاجة . والله تعالى هو الغنىّ المطلق ولا يحتاج إلى إعانة ورزق ، بل هو الرزّاق المطلق والقوّىّ على رزق جميع الخلق على اقتضاء وجودهم وطبق حاجاتهم ، وهو المتين الثابت المحكم . فالمتين من الأسماء الحسنى : وهو تعالى مصداق كامل تامّ حقيقىّ لهذا المفهوم ، وهو الثابت الحقّ المطلق مع إحكام في وجوده بحيث لا يعتريه تزلزل ولا اضطراب ولا تحوّل ولا ضعف ولا حاجة ولا فقر ولا حدّ ولا تأثّر ولا عجز . ولا يتحقّق حقّ المتانة في غيره تعالى ، إذ جميع ماسويه متّصفة بالفقر الذاتي والمحدوديّة والعجز والضعف والاحتياج ، ومن لوازم هذه المحدوديّة والفقر الذاتي : الاحتياج إلى الرزق الَّذى به يستمرّ قوامها ويستديم بقاؤها وحياتها .